يُعدّ قطاف الزيتون من أجمل العادات الريفية المتوارثة في بشعله، إذ يجتمع الأهالي كلّ عام في أواخر فصل الخريف، ابتداءً من تشرين الثاني، ليحيوا هذا الطقس الجماعي الذي يجسد التعاون، والمحبة، والارتباط العميق بالأرض. لا يحتاج القطاف إلى هواية أو موهبة فطرية، بل هو عمل يعبّر عن الانتماء والضرورة، فزيت الزيتون هو جزء أساسي من المائدة البشعلانية ومن هوية القرية الغذائية والثقافية.
مع حلول موسم القطاف، يبدأ التحضير بعناية: تُجهّز العدة من الفاروطة (العصا المستخدمة للفرط)، والفرش، وصناديق الخشب، والحضن، والراكوب (السلم الصغير)، وأكياس الخيش، فيما تُحمّل الدواب أكياس السواد لتسميد الأرض في الذهاب، وصناديق الزيتون في العودة. ولا تكتمل الأجواء دون الزوادة وترمس القهوة التي ترافق العمال بين أشجار الزيتون.
تُوزّع المهام داخل العائلة بدقة، فـالرجال يصعدون إلى الأشجار لفرط الحبات العالية، بينما تقوم النساء بالتمشيق والموش وفرش الأرض وتنقية الحبات، دون الصعود إلى الأشجار، إذ جرت العادة على الاعتقاد بأن صعود المرأة قد “يكبس” الشجرة ويقلل إنتاجها في الموسم المقبل. أما الأطفال فيشاركون بحماس في جمع الحبات المتساقطة وفرزها، ويتسابقون على من يملأ كيسه أولاً، في جوٍّ من الفرح والمغامرة.
يُعدّ قطاف الزيتون كنزًا من كنوز بشعله لما له من قيمة صحية ودينية واقتصادية، ولما يرسخه من قيم التعاون والمسؤولية والتواضع. فكل فرد له دوره، ويُنجز مهمته بإخلاص، مؤمنًا بأن الأرض تردّ الجميل لمن يعتني بها. حول سنديانة الكنيسة، يجتمع الأهالي لتبادل الخبرات والنقاش حول أفضل طرق القطاف اليدوي دون إيذاء الشجرة، والابتعاد عن الأساليب الحديثة التي قد تضر بجذوعها.
ومن أهم الأدوات المستخدمة في هذه الممارسة: الفاروطة، الحضن، الكفوف للتمشيق، السيبة أو الركوب (السلم الصغير)، الشبيط (عصا سميكة وطويلة)، المنشار الصغير، والمقص للتشحيل.
يحافظ أهالي بشعله، قدامى وناشئين، على هذا الإرث المتجذر في وجدانهم، وينقلونه بفخر من جيل إلى جيل، مؤكدين أن قطاف الزيتون ليس مجرد عمل زراعي، بل احتفال بالحياة، وتعبير عن حبّ للأرض وللخير الذي تجود به. كما تشترك بشعله في هذا التقليد مع القرى المجاورة، ما يعكس وحدة الموروث الزراعي والثقافي في هذه المنطقة الغنية بكروم الزيتون وجذورها العريقة.






