في بلدة بشعله، تُعتبر مهارة تسمية الحشائش البرّية من عناصر التراث الثقافي غير المادي المميزة، وهي جزء أساسي من الممارسات الزراعية والغذائية التقليدية المرتبطة بجمع النباتات والأعشاب الصالحة للأكل أو للاستخدام العلاجي. هذه المهارة لا تقوم فقط على جمع الأعشاب، بل تشمل المعرفة الدقيقة بتسميتها، وصفاتها، وفوائدها، وهي معرفة متوارثة عبر الأجيال، انتقلت تقليديًا من الأم إلى ابنتها، أو من الحماة إلى الكنة، أو بين الجارات اللواتي يخرجن معًا للتسليق في مواسم الربيع والخريف.
تتطلّب هذه المهارة ملاحظة دقيقة للنباتات البرية وتمييزها بالشكل والطعم والرائحة، إذ تعتمد النساء في تحديد صلاحية النبات للأكل على التجربة الحسية؛ فإذا كان طعمه مرّاً يُستبعد، أما إذا كان حلواً فيُعتبر صالحاً للطهو. وتُعرف في بشعله أنواع عديدة من الحشائش مثل البعبّو، الفاقسية، الكرّات، الخبيزة، والعكوب وتُستعمل هذه الأنواع في مأكولات تراثية أهمها كبّة الحيلة التي تُحضّر نهار الجمعة العظيمة خلال فترة الصوم المبارك.
غير أنّ هذه المعرفة الدقيقة أصبحت مهدّدة بالاندثار نتيجة تغيّر نمط الحياة في القرية، حيث أصبح معظم الأبناء يعيشون شتاءً في المدن للدراسة أو العمل، فلا يرافقون أمهاتهم إلى الحقول خلال موسم السليق في الربيع. كما أنّ تزامن موسم التسليق مع فترة الدراسة يجعل من الصعب على الأمهات نقل المعرفة عمليًا. إضافةً إلى ذلك، فإن رشّ المبيدات في بساتين الزيتون يحدّ من انتشار بعض الأنواع البرية، مما يصعّب التعرّف عليها ميدانياً.
اليوم، لم تعد بعض النساء يعرفن سوى عدد محدود من الأنواع، لا يتجاوز ثلاثًا تُستعمل عادة في كبّة الحيلة، بينما ما زالت قلة منهنّ، مثل تريز ومريم، يحافظن ويخزننّ على المعرفة القديمة بأنواع النباتات وتخزّن بعضها مثل البعبّو في الثلّاجة لاستخدامه لاحقاً. ومع ذلك، تبقى هناك محاولات فردية وجماعية لإحياء هذه المهارة، من خلال اقتراح تنظيم رحلات تعليمية ميدانية تُعرّف الأجيال الجديدة على أنواع الحشائش وطريقة جمعها وتسميتها.
إنّ مهارة تسمية الحشائش في بشعله ليست مجرد معرفة نباتية، بل هي ذاكرة لغوية وبيئية وثقافية تعبّر عن العلاقة العميقة بين الإنسان والطبيعة، وتختزن خبرة الأجداد في فهم دورة الحياة البرية وارتباطها بالمواسم والطقوس الدينية والغذائية. حفظ هذه المهارة هو في جوهره حفظ لهوية المكان واستمرارية التراث القروي الأصيل في مواجهة التحوّلات الحديثة.